إقرأ المزيد من المقالات

أولا : الـحـكـم والمواعظ

(1) من جميل ما يستوقف المرء من الحكم ما نظمه الثعالبي، فكأنّ كلامه السحر الحلال، أو كأنّه  من حسنه الدرّ المنثور، أو القلائد على الصدور: (من صلّى لله لم يصل ناره . . . لا يحصل برد العيش إلا بحرّ التعب . . . ربّ كلام أملح من أطواق القماري، وأذكى من العود القماريّ . . . ما الخلاص إلا في الإخلاص. من افتقر إلى الله استغنى. صدق المناجاة، سبب النجاة)[1] .

(2) وفي رسالة وعظية جاء ما يلي: (للقلوب من دون أستار الغيوب - أطال اللـه بقاء القاضي - حَواسّ سلمتْ مطالعُها، وعُدمت موانعها، فلا يوقر سامعها، ولا يعشى طامعها، لأنها صفت فوُصفت، وسرحت فشُرحت، فهي تستمد القوى من أنوار ذواتها، وتتلقّاها من فيض أدواتها . . .  

هـاتِـهـا في نـســـائـم الأسْــحــارِ                                     حين تَشْدُو على الغصونِ القَماري

 

مُرّة الطّعْم وهي أحلى من الشَّهْـ                                      ـدِ وأذكـى مــن الكـبـاء الـقَـمـاريّ

 

والتي حُـرِّمَـتْ عليك مـع المَـيْـ                             ــسِـر دَعْ شُـرْبـهـا لأهـل الـقِـمــار

 

فطُلوعُ الـشـمــوسِ عمّـا قـلـيـلٍ                                      سـوفَ يُـنـسـيـكَ غَـيـْـبَـةَ الأقـمـارِ

فآنس أجمالاً تُزمّ، وأحمالاً تُضمّ، وأحوالاً تهول، وأهوالاً تَحول، وأوجالاً تصول، وأصوالاً تجول)[2] .

ثانيا  القصص والحكايات والأخبار

(1)  الاعتناء بالمساجد كان وما زال كبيرا منذ عهد رسول الله – صلى الله عليه وسلم – والخلفاء الراشدين –رضوان الله عليهم– إلى العصر الأموي والعباسي وصولا إلى عصرنا الحاضر، ومن مظاهر هذا الاهتمام التبخير اليومي للمساجد، وتخصيص راتب لمن يقوم بذلك .  (تبخير بيت المقدس في العصر الأموي)

(لما أراد عبد الملك عمارة بيت المقدس وجَّهَ إليه بالأموال والعمال، ووكَّل بالعمل رجاء بن حيوة ويزيد بن سلام مولاه، وجمع الصناع من أطراف البلاد وأرسلهم إلى بيت المقدس، وأرسل إليه بالأموال الجزيلة الكثيرة، وأمر رجاء بن حيوة ويزيد أن يفرغا الأموال إفراغا ولا يتوقفا فيه، فبثوا النفقات وأكثروا، فبنوا القبة فجاءت من أحسن البناء، وفرشاها بالرخام الملون، وعملا للقبة جلالين أحدهما من اليود الأحمر للشتاء وآخر من أدم للصيف، وحفا القبة بأنواع الستور، وأقاما لها سدنة وخداما بأنواع الطيب والمسك والعنبر والماورد والزعفران، ويعملون منه غالية، ويبخرون القبة والمسجد من الليل، وجعل فيها من قناديل الذهب والفضة والسلاسل الذهب والفضة شيئا كثيرا، وجعل فيها العود القمارى المغلف بالمسك، وفرشاها والمسجد بأنواع البسط الملونة، وكانوا إذا أطلقوا البخور شُمَّ من مسافة بعيدة، وكان إذا رجع الرجل من بيت المقدس إلى بلاده توجد منه رائحة المسك والطيب والبخور أياما ويعرف أنه قد أقبل من بيت المقدس وأنه دخل الصخرة، وكان فيه من السدنة والقوم القائمين بأمره خلق كثير، ولم يكن يومئذ على وجه الأرض بناء أحسن ولا أبهى من قبة صخرة بيت المقدس)[3] .

(2) توقفتُ كثيرا عند الذي ذكَره النويري من أنّ العود الهندي عُرف عند الناس مع بداية العصر العباسي؛ وسبب وقفة التأمّل هذه وجودُ نصوص تؤكّد معرفة العرب بالعود الهندي وتبخّرهم به في العصر الجاهلية.

          قال النويري: ( العود الهندي أرفع أجناس العود وأفضلها وأجودها، وأبقاها على النار،  وأعبقها بالثياب . . .  قال: ولم يكن الهندي يعرف في هذه الأمصار، ولا كانت التجار تجلبه مع معرفتها بفضله فلما كان في آخر أيام الدولة الأموية عندما كثر الاختلاف بينهم، وقلّت الأموال في أيديهم، شرعوا في مصادرات الرعايا ، وأخذوا الأموال من غير وجوهها وتعرضوا إلى أموال الأوقاف والأيتام، فتعرض ولاة خراسان لبرمك ولولده وطالبوهما بالأموال، وكان تحت يد برمك أوقاف جليلة، فهرب هو وولده من أعمال خراسان إلى بلاد الهند، فأقاموا بها إلى أن ظهرت الدولة العباسية، فرأى الحسين بن برمك طيبة العود الهندي وزهد التجار فيه، فاستجاده، واشترى منه واستكثر، ثم قدم خالد بن برمك وأخوه الحسين وأهلهما على المنصور أبي جعفر لما أفضت الخلافة إليه، فاصطنعهم وأدناهم وقرّبهم، فدخل الحسين يوما على المنصور وهو يتبخر بالعود القماري، فأعلمه أن عنده ما هو أطيب منه رائحة وأنه حمله معه من الهند، فأمره المنصور بحمل ما عنده منه، فحمله إليه،  فاستجاده المنصور، وأمر أن يُكتب إلى الهند في حمل الكثير منه، ولم تكره تلك المرارة  والزعارة التي في رائحته؛ لأنها تقتل القمل، وتمنع من تكونه في الثياب، وله عبق بالثياب وبقاء فيها. قال:  فلما اختارت الخلفاء والملوك العود الهندي وآثرت البخور به، سقط قدر ما عداه من أصناف العود وعزّ العود الهندي)[4] .

(3) يشير النصّ التالي إلى أنّ العود الهندي يتفاضل فيما بينه ، فهناك الفاخر وهناك الأفخر ، ومنه الجيّد ومنه الأجود .

(قال الحسين بن يزيد السيرافي  في " أخبار الهند ": إن الصنم المعروف بالمولتان – وهو بقرب المنصورة–  يقصده الرجل من مسيرة ثلاثة أشهر يحمل على ظهره أفخر العود الهندي . . . قال: والتجار يبتاعونه من هؤلاء السدنة، ولمّا غلب المسلمون على المولتان قلعوا هذا الصنم وكسروه، فأصابوا تحته من هذا العود، فأخذوه)[5].

وهناك رواية أخرى تقول إنّ العود الذي كان يؤتى به للصنم  بالمولتان هو العود القماري ( الصنم المعروف بالملتان، يقصده السند والهند من أقاصي بلادهم بالنذور والأموال والجواهر والعود وأنواع الطيب،  ويحجّ إليه الألوف من الناس، وأكثر أموال صاحب الملتان مما يحمل إلى هذا الصنم من العود القماري الخالص الذي يبلغ ثمن الأوقية منه مائة دينار وإذا ختم بالخاتم أثر فيه كما يؤثر في الشمع، وغير ذلك من العجائب التي تحمل إليه، وإذا نزلت الملوك من الكفار على الملتان وعجز المسلمون عن حربهم هددوهم بكسر هذا الصنم وتعويره، فترحل الجيوش عنهم عند ذلك)[6].

         كان سدنة هذه الأصنام تجّارا للعود، فهم يستغلّون جهل الناس وسذاجتهم في تكوين ثروة لهم، فكميّات العود الكبيرة التي يؤتى بها من أماكن بعيدة ليتقرّب بها إلى الصنم يستفيد منها السدنة فحسب، ويبيعونها على تجار العود الذين يأخذونها إلى مواطن أخرى لبيعها.

(2)  (الصنم المعروف بالمولتان ،  يقصده السند والهند من أقصى بلدانهم بنذور الأموال وأنواع الجواهر والطيب، ويحج إليه الألوف، ويحمل إليه من العود القماري الذي يؤثر فيه الختم كما يؤثر في الشمع، يبلغ ثمن المَنّ منه مائتي دينار)[7] .  والعود القماري هو الذي ينسب إلى قمار التي كانت (مأوى عباد الهند وعلمائهم)[8] . وعن هذا الصنم (قال الحسين بن يزيد السيرافي في "أخبار الهند": إن الصنم المعروف بالمولتان - وهو بقرب المنصورة - يقصده الرجل من مسيرة ثلاثة أشهر يحمل على ظهره أفخر العود الهندي والقامروني. قال: وقامرون بلد يكون فيه فاخر العود، ويتجشم الهندي المشقة في حمله حتى يأتى به إلى هذا الصنم فيدفعه إلى السدنة ليبخروا به الصنم، وإ ن هذا العود القامروني فيه ما قيمة المَنّ منه مائتا دينار، وإنه ربما ختم عليه فانطبع وقبل الختم للينه . قال: والتجار يبتاعونه من هؤلاء السدنة؛ ولما غلب المسلمون على المولتان قلعوا هذا الصنم وكسروه،  فأصابوا تحته من هذا العود، فأخذوه)[9] .

(4) قال صاحب الفهرست: (قال لي أبو دلف إن للهند بيتا بقمارحيطانه من الذهب وسقوفه من أعواد العود الهندي الذي طول كل عود خمسون ذراعا وأكثر، قد رصعت بددته ومحاريبهومتوجهات عبادته بالدرّ الفاخر واليواقيت العظام، قال وقال لي بعض من أثق به إن لهم بمدنية الصنف بيتا دون هذا، وإن هذا البيت قديم)[10].

=====================================================



[1]  سحر البلاغة وسر البراعة، أبو منصور عبد الملك بن محمد بن إسماعيل الثعالبي، تحقيق: عبد السلام الحوفي، دار الكتب العلمية  - بيروت ، ص. 75 .   

[2]   خريدة القصر وجريدة العصر، ج. 9، ص. من 497 إلى 499 .       

[3]   البداية والنهاية، ج. 8 ، ص. 280 . 

[4]  نهاية الأرب في فنون الأدب ، ج. 12، ص. 17 ، 18.        

[5]  نهاية الأرب في فنون الأدب ، ج. 12، ص. 16.                               

[6]  مروج الذهب ومعادن الجوهر، أبو الحسن علي بن الحسين بن علي المسعودي، دار الكتاب اللبناني – بيروت، 1402هـ - 1982م ، ط. 1 ، ج. 1، ص. 144 .      

[7]  صفة جزيرة الأندلس منتخبة من كتاب الروض المعطار في خبر الأقطار، ص. 564.                      

[8]  نهاية الأرب في فنون الأدب ، ج. 1، ص. 225.

[9]  نفس المصدر السابق، ج. 12، ص. 16.                  

[10]  الفهرست، ص. 486  و 487.

 

 

الأكثر مشاهدة

رحلة الدكتور حسين الرفاعي الى أندونيسيا
رحلة الدكتور حسين الرفاعي الى الصين
رحلة الدكتور حسين الرفاعي الى الهند
رحلة الدكتور حسين الرفاعي الى بابوانيوغينيا
رحلة الدكتور حسين الرفاعي الى بانغ كال
رحلة الدكتور حسين الرفاعي الى بروناي
رحلة الدكتور حسين الرفاعي الى بنغلاديش
رحلة الدكتور حسين الرفاعي الى تاراكان
رحلة الدكتور حسين الرفاعي الى تايلند
رحلة الدكتور حسين الرفاعي الى ترينجانو
الدكتور حسين الرفاعي ( رحلات 1998 ) قديما
رحلة الدكتور حسين الرفاعي الى فيتنام
رحلة الدكتور حسين الرفاعي الى كمبوديا
رحلة الدكتور حسين الرفاعي الى لاوس
لقاء الدكتور حسين الرفاعي مع علماء مختصين في اشجار العود
بحضور الدكتور حسين الرفاعي لمؤتمر عن اشجار العود ...2014
رحلة الدكتور حسين الرفاعي الى ماليزيا
رحلة الدكتور حسين الرفاعي الى ميانمار
  • Prev
Scroll to top